16

صفحات مجهولة من حرب تموز 16

هو زمن النار الهادر كشلال، وعلى حبال النار كان علينا أن نتسلق سياسياً في أكثر عمليات التفاوض خطورة ودقة. لفظنا البنود جمراً وعدلنا المفردات بأقلام من رماح وكلما اقتربنا من النهايات المكتوبة، كان الخاطر يتأهب ويسترجع دمعاً نام بعدما أدماه الحزن أو مجزرة ً وقعت ضد بياض. ومتى ضربنا شريط الذكرى، نصبح بلا قلب، نتحدر من شجر شرس، نغمض عيوننا على أحلام من رحلوا ولا نرتضي بالقليل الدولي حتى لا نزعج موتانا في نومهم الابدي.

نعترف أنهم تربصوا بنا وأنهم عرقلوا التفاوض وجمدوا حراكاً أممياً وعربيا كان قد بدأ يُترجم على صيغة قرار. نقر بكامل قوانا العقلية أن للموت علينا حقاً.. وان شهداءنا سيّرونا وأداروا معركتنا الدبلوماسية فوقعنا في أسرهم لا نلوى على استسلام، ومن علامات أيام الغضب أن «الأمينين» على الجبهة، عسكرياً وسياسياً، كانا على استعداد في لحظة قرار دولي جائر أن يعودا الى أول نقطة على السطر «ولتستمر الحرب ولن نقبل بقرار دولي يلبي شروط إسرائيل» بحسب المراسلات مع السيد حسن نصر الله.

لمع الغضب ذاته في عيون الرئيس نبيه بري الذي أصبح مسكوناً بالرفض تتلبسه جان الحروف، يدسها بين العبارات القاتلة لوجودنا ويحذفها متى كانت لزوم ما يلزم أميركياً وإسرائلياً لأنه «لا يعقل أن نبحث عن المقاومة لنعاقبها بدل أن نمجدها» كما يقول بري معترضاً على المنطقة منزوعة السلاح.

لم تكن أيام القرار 1701 مسجلة على روزنامة آب من العام 2006 بوصفها اياما وحسب، ليس فيها ليل ونهار كبقية نهارات السنة، بل كانت كل ساعة منها توازي ما بين أسبوع الى قرن من الزمن. تمر ببطء سريع وتستثمر إسرائيل آخر دقائقها حتى آخر غارة قد تعود بريعها الى مكسب سياسي في مجلس الامن يعوضها الفشل في الميدان. وكان الميدان بدوره يسجل انحيازه الى رجال من عند الله أجروا مسحاً للبر وحاصروا عدوهم من وراء غصن شجرة زيتون وورقة صفصاف ومنعوه من شعب عيتا ومن سوق الخميس في بنت جبيل ومن التمخطر عند صف الهوا أو الارتواء بعين عيناثا عشيةً.. ومهما توغلوا في مارون فإنهم سقطوا عند الرأس.

وبجنون القصف والغارات وانتشار الموت من الجنوب الى أقصى الشمال، سيطلع فجر القرار الدولي الرقم 1701 ومن غاب عن الوطن في أشد محنته، حضر على جناح فرنسي طائر ليوافق من دون تعديل وذلك على قاعدة «اللهم لا اعتراض على ما صاغه الاميركيون».

هو اليوم نفسه الجمعة 11/8/2006 الذي حمل أوسع المشاورات وأدقها وأصعبها مع المندوب الأميركي ديفيد ولش من جهة، ومع الجانب اللبناني من جهة أخرى والذي كان يعيش مناخاً أميركياً أراد أن يضيف خيارات وحدوداً يحفظ فيها مصالح إسرائيل ويعوضها عن خسائرها الميدانية القاسية.

وهو اليوم نفسه الذي أصبحت دقائقه محسوبة بميزان الدم، حيث السباق بين صياغة مشاريع القرارات وتفاصيل الكلمات، وبين عمليات التدمير المستمر والشامل الذي جمع بين عشرات الأبنية المدمرة في الضاحية الجنوبية والمجازر الجديدة التي أضيفت إلى سابقاتها، امتداداً من عكار إلى قافلة مرجعيون التي اصطادتها الطائرات الإسرائيلية في كفريا في البقاع الغربي، بعدما رُتب خروجها على أعلى المستويات المحلية والدولية، لكنها لم تنفع في كبح روح الانتقام المتحكمة بقادة العدو، وهي القافلة نفسها التي ضمت 35 عسكرياً أُعطوا الأوامر السياسية بتسليم سلاحهم بالأمس في ثكنة مرجعيون، بعكس صور شباب يسطرون أروع البطولات في بنت جبيل، لم ينتظروا إذناً من وزراء الزمن الغابر، وكانوا يضيفون خلال هذا اليوم إنجازاً ميدانياً تجاوز تدمير مزيد من دبابات الـ«ميركافا» عند مثلث طيرحرفا في القطاع الغربي، إلى مثيلتيها في بيت ياحون وعيتا الشعب في القطاع الأوسط، لتتوّج بتدمير قطعة بحرية من نوع «سـوبر ديفوار» مقابل شاطئ المنصوري جنوب مدينة صور.

كل هذا الجنون الحربي الإسرائيلي، كان يعكس اضطراباً في الموقف الداخلي مع الإحساس بساعة القرار في مجلس الأمن، حيث تقاطعت مصالح أكثر من طرف ودخلت الحسابات الحزبية على خط القرارات المرتكبة أصلاً والتي أوصلت إلى قرار متأخر بتوسيع العملية البرية في محاولة للضغط، في اللحظة التي بدا فيها أن الجو الدولي لم يعد يستطيع أن يستمر في تغطية الحرب بعد النتائج المخيبة وعدم القدرة على تحقيق أي اختراق ميداني وسياسي.

عندما خرج ديفيد ولش من عين التينة يحمل آخر الأفكار ليراجع بها الإسرائيلي كما قال، كان الرئيس نبيه بري يبادر إلى تحصين اقتراحاته بالاتصال بالرئيس فؤاد السنيورة ووضعه في آخر الأجواء، ثم أرسل ليضع الجانب الإيراني في صورة التطورات مع الفرنسيين والأميركيين لأنه كان على تواصل مع ما يجري في مجلس الأمن خصوصاً مع الجانبين الروسي والصيني.

 

ولش يسمع الملاحظات من بري والحريري لا يريد أن يسمع 

وضعنا الحاج حسين الخليل في تفاصيل ما جرى مع ديفيد ولش وسجل الصياغة الأخيرة التي تقدم بها الرئيس بري مع الملاحظات، ونقل من جانبه عن السيد حسن نصرالله بعض التفاصيل المتعلقة بأسلوب التعاطي مع المرحلة الفاصلة بين وقف النار والخطوات الإجرائية اللاحقة.

عند المساء، كان اتفاق على لقاء بين الرئيس بري والنائب سعد الحريري الذي عاد بعد الظهر إلى لبنان للمرة الأولى منذ بداية الحرب في 12 تموز، على متن طوافة عسكرية فرنسية والتقى الرئيس السنيورة في السرايا، ليصل الى عين التينة، عند الساعة 6,45 دقيقة، وبعد جلسة لمدة ساعة، كانت الخلاصة أن الحريري أتى ليؤكد ضرورة الموافقة على القرار الذي سيصدر عن مجلس الأمن ومن دون اعتراض، مبيناً بعض المعطيات التي كوّنها من اتصالاته الخارجية، ولم يكن مستعداً لسماع الملاحظات التي أبديناها لديفيد ولش معتبراً أنها غير مهمة لكي يسجل من أجلها تحفظاً، وكان حريصاً على أن يكون في صورة المشهد عند الوصول إلى حل.

بعدها التقى الرئيس بري الرئيس سليم الحص، مؤكداً أهمية ما حصل حتى الآن وضرورة الانتباه إلى التفاصيل عند اتخاذ موقف من القرار المفترض.

ناداني الرئيس بري بعدما وصله مشروع القرار الدولي بصيغته النهائية وطلب أن نكلف من يستطيع الترجمة الحرفية والدقيقة للانتباه إلى التعابير واستخداماتها، وكان مستعجلاً لأن الوقت بدأ يغلبنا قبل بدء الاجتماعات في مجلس الأمن.

وصل د. محمد شطح موفداً من الرئيس السنيورة، في وقت كان الرئيس بري قد بدأ بتسجيل ملاحظاته على الفقرات والبنود الواردة، وطلب مني دعوة الحاج حسين الخليل الذي انضم لاحقاً إلى الاجتماع.

بدأ د. شطح محاولا تجاوز الملاحظات التي يبديها الرئيس بري، متشاطراً في تبسيط خلفياتها على الرغم مما تحمله من التباسات كانت تلتقي مع خلفية ما يفكر فيه، خصوصاً ما يتعلق باستعمال مصطلحات تفسَّر لصالح نزع السلاح في منطقة جنوب الليطاني واستخدام كلمة القوة الدولية بدل قوات الطوارئ أو «اليونيفيل» والبند المتعلق بمهامها، حيث كان موقف شطح متجاوزاً حتى نص القرار لجهة المهام الموكلة للقوة، كما كانت هناك ملاحظة حول فتح المطار وفك الحصار من قبلنا، كما التحفظ على النص المتعلق بموضوع الأسرى.

في هذه الأثناء، كان النائب الحريري يتصل لأكثر من مرة دافعاً باتجاه عدم تسجيل ملاحظات «والسير بالمشروع كما هو حتى لا يتعرقل صدوره» وفق رأيه، كما اتصل الرئيس السنيورة بوجود شطح وتحدث في الاتجاه نفسه، وسأله الرئيس بري عن الموقف الإسرائيلي ولماذا علينا أن نعطي موقفاً قبله.

وفي نهاية الجلسة مع د. محمد شطح، سجل الرئيس بري مجموعة من الملاحظات أرسلت إلى الرئيس السنيورة، وهي على الشكل التالي:

1- التزام وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليسا رايس بأن تقول في خطابها (في مجلس الأمن) حول مبررات التصويت إنه خلال الفترة بين وقف العمليات العدائية والانسحاب الكامل الإسرائيلي حتى الخط الأزرق ستعالج الأمور وفقاً لقواعد تفاهم نيسان 1996.

2- رفض op8 – الفقرة 2 حول منطقة خالية من السلاح والمسلحين.

3- تحفظ op11 الفقرة التي تدخل «اليونيفيل» في معالجة المسائل المتعلقة بالفقرة التي سبقت op8

4- تحفظ op12 منعاً لأي التباس، شطب تعبير قوة دولية والتأكيد على قوات «اليونيفيل».

5- عدم إعطاء موقف نهائي من القرار قبل أن يوافق الإسرائيلي.

6- عدم اتخاذ أي موقف علني مع أو ضد أو تحفظ إلا بالتفاهم فيما بيننا.

نصرالله: لن أسلم سلاحي مهما كلف الأمر

عند الساعة 10,15 جرى اتصال من الشيخ حمد بن جاسم وزير الخارجية القطري الموجود في مجلس الأمن وطلب أن يزود بملاحظاتنا على المشروع، وسأل عن تعهد رايس.

شدد الرئيس بري على ملاحظة مهمة ولا يمكن تجاوزها حول تغيير عبارة «خالية من السلاح» إلى «خالية من أي سلاح ظاهر».

الشيخ حمد: يمكن أن نورد هذا في الخطاب.

بري: هذه خطيرة ولا نقبلها بأي شكل وتحتاج إلى تصحيح، وإذا أخذوها فليكن غصباً عنا ولا يمكن أن نوافق.

وشد بري من عزيمة وزير خارجية قطر وقال له «أنك الوحيد اليوم من الوفد العربي الذي نستطيع أن نتحدث معه»، وأشار إليه بأمور عدة أخرى يتحفظ عليها وهي:

1- وضع المسؤولية في مقدمة القرار (التمهيد) على لبنان وهذا مخالف للحقيقة ويحرمنا من المطالبة بالتعويض.

2- عدم الإشارة إلى المجازر ضد الحجر والبشر.

3- التمييز بين الأسيرين الإسرائيليين والأسرى اللبنانيين.

بعدما خرجنا لفترة قصيرة، اتصل الحاج حسين الخليل طالباً العودة إلى عين التينة، صعدنا إلى الرئيس بري في غرفته الخاصة في المنزل، كان الحاج حسين منفعلاً، وقال للرئيس أن السيد حسن اطلع على النص المقترح وفق التفصيل الذي نقلته له، ويقول إنه مع الملاحظات التي سجلتها لا سيما في ما يتعلق بالسلاح، وإلا فإنه لن يسلّم أو يستسلم ولتستمر الحرب ولن نقبل بقرار يلبي شروط إسرائيل وإنه يصرّ معك على تعديل الفقرة ومعها النص الملتبس حول دور «اليونيفيل».

بري لحسين الخليل: معه حق (السيد) في ما يتعلق بالسلاح، برغم أن الشيخ حمد بن جاسم أكد أنه سيقول إن الأمر يعود للبنان، ولكني أصريت على أن ترد العبارة وأن تُستبدل بتعبير «خالية من أي مظاهر مسلحة».

أضاف بري: لنعد إلى النقاط الأخرى، القوة الدولية ستعدل وسيصدر كلام واضح عن الأمين العام بأنها اليونيفيل، وأن لا علاقة لها بالسلاح والمسلحين، وهذا أمر يخص الجيش اللبناني. أما بخصوص الأسيرين (الاسرائيليين)، يقول الرئيس السنيورة إن مضمون القرار يتعلق بواجبات الحكومة اللبنانية ولا علاقة للحزب بالأمر.

اتصل الرئيس بري بالرئيس السنيورة وأبلغه من جديد الاقتراح المتعلق بالسلاح والمظاهر المسلحة، وكان رده أن هذه القصص هي بيننا وبينكم ونحن من سيعطي التعليمات حول ماذا سيحصل لاحقاً.

سأل الحاج حسين: هل يحتاج الأمر إلى قرار في مجلس الوزراء؟. في كل الأحوال موقفنا أن أي قرار من هذا النوع هو مشروع حرب ومواجهة مع الجيش اللبناني ونحن لا نريدها، ولكن لن أسلم سلاحي مهما كلف الأمر، يقول السيد حسن نصرالله.

في كل الأحوال ـ أضاف الحاج حسين الخليل ـ فإن خلاصة الموقف بحسب رأيه (السيد) هي:

– إذا صدر القرار مع التعديلات وبقيت المقدمة السياسية وفيها ظلم فإن موقفي أنه قرار ظالم في جانب منه لأنه يحملنا مسؤولية الحرب ويتجاهل مسؤولية إسرائيل ولا يدينها عن الاغتيالات والمجازر، وهو قرار جائر في بعض مواده ونحن نعترض عليه لكننا سنتعاطى معه بإيجابية.

– أما إذا لم يؤخذ بالتعديلات: نقول هذا القرار الذي صدر لا يعني لنا شيئاً كمقاومة وفي جوانب منه ظالم وجائر وسوف أتعاطى معه بواقعية ومسؤولية وطنية.

الرئيس بري: انهم يعاقبون المقاومة بدل تمجيدها 

كنا نشاهد عبر الفضائيات، وقائع انعقاد جلسة مجلس الأمن، ولأكثر من مرة كنا نرى الشيخ حمد بن جاسم وهو يحمل هاتفه ليتصل بالرئيس بري الذي كان ينقل ملاحظاته ونرى كيفية متابعتها مباشرة إلى أن وصلنا إلى الصيغة التي صدر بها القرار الدولي الرقم 1701، ومعه الكلام الذي أدلت به كوندوليسا رايس حول تفاهم نيسان كما جرى الاتفاق، وللمرة الأولى، ذُكرت مزارع شبعا لكن من دون صياغة واضحة تُلزم إسرائيل بإجراءات ما، تماماً كما الالتباس في مسألة توقيت وقف النار عند الساعة الثالثة من فجر يوم السبت في 12/8/2006.

غير أن البند الذي اعترضنا عليه والمتعلق بالمنطقة المنزوعة من السلاح والمسلحين بقي كما كان في مشروع القرار الأميركي، ولم يعترض مندوب لبنان عليه كما كنا قد أرسلنا مع د. محمد شطح للرئيس السنيورة، وهذا ما أغضب الرئيس بري كثيراً وقال لا يعقل أن نبحث عن المقاومة لنعاقبها بدل أن نمجدها لأنها انتصرت على إسرائيل.

انتهى اليوم الطويل في فجر اليوم الطالع ليعود كل منا إلى مكانه يحمل الكثير من الهواجس ويفتش في الوقت نفسه عن الصيغة التي سنتعاطى فيها مع طلوع النهار.

كان صباح السبت 12/8/2006 مختلفاً عن سابقاته من الصباحات، حيث بدأت تُرسم ملامح صورة جديدة للبنان بعد الصمود البطولي والإنجازات التي تحققت على الأرض، في وقت فرض القرار الدولي نفسه على الحركة السياسية وعلى الناس العاديين الذين انتظروا الموقف الرسمي وموقف قوى المقاومة.

ساد الحذر من خطورة الوقت الضائع ومن أن يزيد الإسرائيلي من حفلة الموت والانتقام التي بدأها ومحاولة تحقيق انتصار ربما يحتاجه الجيش والحكومة معاً، ولكنه دفع أكبر ثمن من الخسائر البشرية في كل أيام الحرب إذ سقط له أكثر من خمسة وعشرين ضابطاً وجندياً وأكثر من عشرين دبابة تحول معها وادي الحجير إلى مقبرة للإسرائيليين، واتسعت المواجهات العنيفة على كل المحاور ولم يستطع معها العدوان تحقيق أي اختراق أو إنجاز يعزز وضعه قبل إعلان وقف إطلاق النار سوى أنه هدم المزيد من المراكز والبيوت في غارات متكررة توسعت لتغطي كل المناطق وصولاً إلى أقصى الشمال في عكار والمناطق عند الحدود السورية.

وبقدر ما كان اليوم صعباً على المستوى الميداني، إلا أنه عزز الروح المعنوية وظهّر صورة النصر التي ستُحفر طويلاً في ذاكرة اللبنانيين والعرب كما في الكيان الإسرائيلي الذي بدت عليه ملامح اختلال بنيوي مع سقوط أسطورة الجيش الأقوى وهذا الضياع على المستوى السياسي بمختلف مستوياته.

 

شاهد أيضاً

18

صفحات مجهولة من حرب تموز 18

دلّت مواقف الداخل كعناقيد غاضبة متخوفة متوجسةً رؤيانا لما بعد القرار الدولي، وبدأت مرحلة تقليم …