19

صفحات مجهولة من حرب تموز 19

أغلب الظن أنه لن يأتينا يوم ينطوي على تعاطف خصم سياسي مع عدو أساسي فتنتج المعادلة خسائر في الأرواح البشرية وخسارة كبيرة للروح السياسية تصيب شريكنا في الوطن.

ليس أصعب من أن نتلقى في اليوم الواحد نبأ الغارة على مجمع الإمام الحسن في الضاحية ثم تليها غارات سياسية متتالية تبدأ طلعاتها من هنا ولا تنتهي هناك في نيويورك، وربَّ لحظة سيتحول فيها كوفي أنان الى موظف ملحق بمجلس الوزراء اللبناني يتصل مستفسراً عن سبب تأجيل انعقاد جلسة الحكومة، لكأنه كان يستعد لتلاوة مقرراتها بنفسه من على منبر الأمم المتحدة متى تأمّن في بنودها ما يروي الغليل الدولي والرغبة المحلية.

ونقسم بالإمام الحسن وشهداء داره المغدورين على الشبهة أن حروبنا الداخلية كانت تميتنا ألف مرة قبل أن نقرر العبور الى الحياة من جديد، زينتنا سلاحنا برجال مقاومين ما زالوا على قيد القتال، لم يتركوا الساح ومن العار استعجالهم نزع السلاح؟

كان استهداف المجمع أول هدايا القرار 1701 ونية إسرائيل التزامها به لكن العدو سال لعابه على خبر ضال.. ظن أنه سيجد فيه ضالته وإذا به أمام حفنة دماء جديدة من قادة الناس العاديين احتموا بعباءة إمام مات مسموماً من أقرب الناس ولم يدركوا أن التاريخ غالباً ما يكون دائم التكرار وإن بوسائل متطورة.

هي معركة دماء وسلاح وفريق مد شبكة اتصالات مع الخارج ليأتينا بالأنباء العاجلة: كوفي أنان يقول لكم إن لبنان سيهدم على رؤوس أبنائه.. جاك شيراك يتنبأ بأن الحرب ستستمر ما لم يسلم «حزب الله» سلاحه.. قيادات 14 آذار تلتقط اللحظة الدولية لتعلن أن ساعة الحقيقة قد دقت.. لكننا أدركنا أن هذه القيادات تعمل وفق ساعة يعوزها فرق التوقيت لأن زمن ما وراء البحار ما كان زمننا يوماً ولن نسير تبعاً لعقاربه.

«لقد تحملنا الكثير ولم يعد يهمنا التهديد» عبارة للرئيس نبيه بري زامنت ما بين الاعتكاف وقرار عودة التواصل بعد أن وجد في الوطن رئيس حكومة لا يؤتمن على نقاش ويهوى التسريب العابر للاتفاقات.

صباح الأحد في 13/8/2006، عقدت الحكومة الاسرائيلية برئاسة إيهود أولمرت اجتماعاً لإبداء موقفها من القرار الدولي الرقم 1701، وعلى الضفة اللبنانية، كان الرئيس نبيه بري على موقفه بعدم تلقي أي اتصال أو القيام بمتابعة ما يجري على مستوى مجلس الوزراء ورفض الرد على اتصالات عدة من الرئيس فؤاد السنيورة والنائب سعد الحريري وغيرهما وغاب كلياً عن السمع حتى لأقرب المقربين.

عند الساعة الواحدة ظهراً، اتصل الحاج حسين الخليل ليبلغني أنهم بعد النقاش في الحزب، اتفقوا على أن ينقل الوزير محمد فنيش موقف الحزب وأمينه العام السيد حسن نصر الله إلى مجلس الوزراء الذي سينعقد بعد ظهر اليوم نفسه ويتضمن الآتي:

ـ إذا طُرح موضوع نزع سلاح المقاومة أو نقله إلى خارج حدود جنوب الليطاني فستخوض حواراً جدياً ومنفتحاً وإيجابياً، لكن إذا حصل إصرار وعدم تفهم لموقفنا فإنه سيبلغ مجلس الوزراء:

1- أن مس السلاح مرفوض من قريب أو بعيد («دونه المهج وخوض اللجج»).

2- إذا كنتم تريدون مشكلاً داخلياً فنحن لا نريده ولكن إذا أصررتم، فتحملوا المسؤولية.

3- قرارنا هو عدم وجود أي مظهر مسلح وتسهيل مهمة دخول الجيش اللبناني وانتشاره وإلى جانب قوات الطوارئ («اليونيفيل»).

بعد تبلغي هذا الموقف من الحاج حسين الخليل، واقتراب موعد انعقاد جلسة مجلس الوزراء بادرت إلى طلب التحدث مع الرئيس بري الذي كان قبيل اعتكافه، قد ابلغ عامل الاتصالات (في عين التينة) بأن يحولني إليه استثنائياً إذا طلبت وهذا ما حصل حيث نقلت له التطورات الحاصلة وموقف السيد حسن نصر الله الأخير.

كان الرئيس بري ما يزال متأثراً بأجواء اليوم السابق (السبت 12 آب) وازداد غضبه عندما عرف بإصرار الرئيس السنيورة على موقفه وطلبه عقد جلسة مجلس الوزراء اليوم من أجل استكمال نقاش موضوع السلاح وربطه بانتشار الجيش اللبناني، وبرغم ذلك، طلب مني أن أتصل بالحاج حسين الخليل لأبلغه أن موقف وزراء حركة «امل» سيكون نفسه موقف الوزير فنيش، وهذا ما أبلغته إليهم.

بعد أن أنهيت كلامي مع الرئيس بري، التقيت الحاج حسين الخليل الذي سأل مجدداً عن الرئيس بري، فأبلغته أنه ما يزال خارج السمع، لكن وزراءنا سيلتزمون موقف الوزير فنيش، وفي اللحظة التي كنا نتحدث فيها في طابق سفلي، حصلت واحدة من أعنف الغارات التي سمعناها خلال الحرب، أحسسنا بارتجاج وصدى رهيب أسكتنا عن الكلام، لنبقى في حالة ذهول ننظر إلى بعضنا البعض، لأكثر من دقيقة من دون أن يتفوّه أحدنا بكلمة، بعدها بدأنا نسأل أنفسنا ماذا حصل؟

كان من الواضح أن حجم الغارة يعني استهدافاً استثنائياً في البشر أو الحجر، كانت الاتصالات الخلوية شبه معطلة، لا قدرة على التواصل مع أحد لنعرف ماذا يمكن أن يكون قد حصل، بعدها شاهدنا على احدى القنوات خبر استهداف قيادات، تم نفيه بسرعة، استطعنا بوسيلة ما أن نتواصل، عرفنا أن مجمع الإمام الحسن في منطقة الرويس في الضاحية الجنوبية لبيروت، قد تم استهدافه وسوّي بالأرض، كانت تلك إحدى المجازر الإضافية التي دونتها إسرائيل في سجلها الذي كتبته بدم الأبرياء، وكان فشل جديد لتقدير أجهزتها الأمنية والعسكرية في أن تختم حربها باستهداف أحد قادة المقاومة.

السيد نصر الله للرئيس بري: سأسمي الأمور بأسمائها 

أكملنا جلستنا حيث كتبت رسالة السيد حسن نصر الله للرئيس بري على الشكل التالي:

«إن السيد حسن منزعج جداً بعد الذي جرى بالأمس في مجلس الوزراء وما سمعه من كلام ويقول إن كل ما صدر عنه في وسائل الإعلام خلال المرحلة الماضية كان تحت سقف الوحدة الوطنية الداخلية، ولكن الطرف الآخر قد تجاوز كل الحدود وبالتالي هو يفكر أن يطل إعلامياً ليسمي الأمور بمسمياتها وأدوار كل فريق وشخص، والأذى الذي يُحدثه في عملية التفاوض وصياغة الموقف وأن ما يلتزم به هو:

– تسليم المواقع على «الخط الأرزق» للجيش اللبناني.

– لن يكون السلاح ظاهراً في أي من المناطق.

– أي عملية مداهمة أو تفتيش أو ملاحقة لأحد من الحزب سنرفضها بقوة ولن نسمح بها مهما سيحصل.

أنا حريص على وقف النار إذا حصل والحفاظ على صورة وسمعة الجيش اللبناني، ولكن في النهاية، نحن هُدم الكثير من مناطقنا وسقط لنا شهداء وبقيت كرامتنا، وسلاحنا وتسليمه مسّ بهذه الكرامة وهذا ما لن نقبل به. وإن هذا الموقف سيبلغه الوزير محمد فنيش في جلسة مجلس الوزراء وينسحب من الجلسة من دون أن يعلن استقالة أو تعليق المشاركة بل لعدم الشهادة على قرار يتعلق بالسلاح».

أكدت للحاج حسين الخليل أن الرئيس بري، طلب مني أن أبلغ الوزراء الحركيين الالتزام بالموقف الذي يُتخذ وهذا ما حصل، لكن مسألة الانسحاب من الجلسة أمر يحتاج إلى إعادة تدقيق وعلينا أن نحسبها جيداً وسأنقلها للرئيس بري.

عند حديثي مع الرئيس بري، كان حاسماً بضرورة التزام الوزراء جميعاً الموقف نفسه وأن أتحدث معهم سريعاً لهذه الغاية وأن ينسحبوا إذا وصلت الأمور إلى هذا الحد، وطلب أن ألاقيه فوراً في عين التينة.

السنيورة: تسليم الصواريخ من النقاط المحسومة 

بعد أن شرحت للرئيس بري مباشرة تفاصيل ما حصل خلال الساعات الماضية، طلب مني الاتصال بالحاج حسين الخليل، من أجل أن يأتي بعدما أوقف اعتكافه القصير، وأجرى الرئيس بري اتصالاً بالرئيس فؤاد السنيورة وطلب منه تأجيل جلسة مجلس الوزراء من أجل المزيد من التشاور وصولاً إلى تفاهم على موقف مقبول حتى لا نصل إلى انقسام وانسحاب من الجلسة، وبالتالي سيتعمق المشكل الداخلي في هذه اللحظة الحساسة.

وافق الرئيس السنيورة على أمل معاودة التواصل بعد استكمال بعض الاتصالات المحلية، لكنه أعاد تأكيد موقفه من مسألة تسليم الصواريخ وأنها «من النقاط المحسومة» حسب رأيه وأنها لم تلق اعتراضاً منا معاً.

فقال الرئيس بري رافضاً: لا يعقل يا فؤاد أن تطرح ما تريد وتقنع نفسك أنه الصواب وتبني موقفك على أساسه، هذه ليست سياسة، وفي كل الأحوال ما دمنا اتفقنا على التأجيل نتابع البحث لاحقاً.

بعدها تسرب من القصر الحكومي أن تأجيل جلسة مجلس الوزراء أتى بطلب من الرئيس بري لأن «حزب الله» لا يريد أن يسلم سلاحه، وحصل ارتباك كبير ومداخلات من عدد من الوزراء الذين كانوا قد بدأوا بالوصول إلى السرايا، ما اضطر الرئيس بري إلى إصدار توضيح بأن هذا الأمر «لا أساس له من الصحة» ثم اتصل بالرئيس السنيورة لمعاتبته والقول له إنه كان في مقدورك أن تقول إن المجلس سيبحث موضوع عودة النازحين وإعادة الإعمار وإن هناك ملفات غير جاهزة ولكنك تريد أن تفتح عيون العالم على المشكلة.

استغل وزراء وشخصيات محسوبون على 14 آذار ما حصل ليقودوا حملة سياسية ـ إعلامية على المستوى المحلي من خلال القول إنه عندما دقت ساعة الحقيقة رفض «حزب الله» تسليم سلاحه، وعلى المستوى الخارجي تحريض مجلس الأمن وبعض الدول الأوروبية حول مخاطر القبول ببقاء السلاح بيد «حزب الله» في منطقة جنوب نهر الليطاني.

عند وصول الحاج حسين الخليل، أبلغه الرئيس بري ما حصل قبل قليل مع السنيورة وأن جلسة الحكومة تم تأجيلها، وفي هذا فوائد كثيرة وهي أننا نكون قد تأكدنا من ثبات وقف النار والتزام إسرائيل به وتصبح أمامنا فرصة للتفكير الهادئ حول مصلحتنا ومصلحة البلد، وفي الوقت نفسه أفكر في أن أتواصل مع قيادة الجيش اللبناني من أجل التدقيق في بعض التفاصيل.

قال الحاج حسين الخليل إن مدير الاستخبارات في الجيش العميد جورج خوري (سفير لبنان في الفاتيكان حاليا) التقى مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق في «حزب الله» الحاج وفيق صفا بناء على طلبه وأبلغه أن قائد الجيش (العماد ميشال سليمان) يؤكد موقفه الذي أبلغه سابقاً بأنه حريص على التنسيق وعدم الاختلاف معكم.

رد الرئيس بري: أنا أفكر في أن يذهب علي خليل ليلتقي قائد الجيش ويتحدث معه حول رؤيته للقرار 1701 وتطبيقه وينقل ملاحظاتنا وموقفنا من الموضوع برمته، وبالفعل اتصل الرئيس بري بالعماد سليمان وتوجهت فوراً إلى مقر قيادة الجيش في اليرزة.

 

ميشال سليمان: سنحافظ على إنجازات المقاومة 

أخذت طريق فرن الشباك باتجاه غاليري سمعان صعودا، وما إن تجاوزت التقاطع باتجاه الحازمية بأقل من مئــتي متر حتى أطلقت طائرة من دون طيار صاروخاً وقع على المثلث تماماً، ما جعل مرافقي يقود بأقصى سرعة للوصول إلى مكتب قائد الجيش على بعد مئات الأمتار.

جلسنا في مكتبه ذي الزجاج الغربي الكبير الذي يجعل منظر الضاحية أمامك منبسطاً بكل تفاصيله، وما إن جلسنا لنبدأ الحديث وسط خرائط عدة وأوراق متفرقة يعمل عليها حتى وقعت سلسلة من الغارات المتتالية التي أحسسنا أنها في محاذاتنا وتصاعد دخان كثيف وأدخلنا هذا في الحديث المباشر عما يجب علينا فعله وبسرعة.

نقلت له رسالة الرئيس بري بأننا حريصون على وقف إطلاق النار وعدم إطلاق أي صاروخ والانتقال إلى مرحلة جديدة، وأن الحزب مستعد لتسليم الجيش المواقع الحدودية وأن مسؤولية الجيش منع المظاهر المسلحة بالكامل، ولكن لا يمكن الحديث بأي شكل عن نزع سلاح الحزب أو القيام بمداهمات لهذه الغاية.

ميشال سليمان: أنا طلبت من مجلس الوزراء بموجب رسالة خطية أن أعرف حدود مهمتي، وأن المشكلة هي في أن تعرف قوات الطوارئ بمخازن أسلحة وتطلب من الجيش المصادرة والمداهمة، وهم بالتأكيد لديهم علاقات مع اللبنانيين وسيعرفون الكثير، وما يُطرح أيضاً هو التنسيق في كيفية نقل السلاح إلى خارج المنطقة وإيجاد آلية تنسيق وضمانات من الأمم المتحدة حتى لا تقصف إسرائيل هذا السلاح لأنها تراقب المنطقة على مدار الساعة، وأريد أن أعمل ليخرج بشكل مشرّف من دون أن يمس بمعنويات المقاومين، وأنا في كل الأحوال، أبلغت مجلس الوزراء أني سأرد على أي خرق إسرائيلي مهما كان وبالسلاح المتوافر لدي لأنني أعتبر نفسي مسؤولاً ولهذا لا أستطيع أن أتحمل أي ميوعة في القرار، وسأسمي عملية دخول الجيش «الإرادة الوطنية الجامعة» ولقد بدأت التحضير لإصدار «أمر اليوم» وفيه تحية إلى دماء الجيش اللبناني والمقاومة والشعب الصامد، وسأعمل نصباً تذكارياً في أكثر من موقع تكريماً للمقاومة. أنت تعرف أن هناك الكثير في الحكومة يقولون إننا لا ننفذ أمرها وندعم المقاومة وهناك حوادث كثيرة حصلت خلال الحرب تؤكد دعمنا ولهذا ضربت إسرائيل مواقع الجيش، إن الجيش في صلب مهامه الحفاظ على مكتسبات المقاومة وإنجازاتها ولهذا عليكم أن تسهّلوا دوري لأني «لا أقبل أن أفرط بمصداقيتي وأذهب للبيت أفضل».

عند عودتي إلى عين التينة أبلغت الرئيس بري بما حصل مع قائد الجيش ونقل لي أنه بوجود ناشر «السفير» الأستاذ طلال سلمان، اتصل الرئيس السنيورة ليبلغه أن الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان اتصل به مستفسراً عن تأجيل جلسة مجلس الوزراء، فكان رده أن هذا حصل بناء على طلب الرئيس بري وأن أنان أجابه بأن قوات الطوارئ لن تأتي إذا لم يسلم الحزب سلاحه وبالتالي فإن الحرب ستستمر ولبنان سيهدم على رؤوس أبنائه وأنه سيتصل بالرئيسين السوري بشار الأسد والإيراني محمود أحمدي نجاد لإبلاغهما بهذا الأمر.

بعدها اتصل النائب سعد الحريري للمرة الثانية بعدما كان قد طرح أن يُنقل السلاح المخبّأ في المستودعات إلى خارج منطقة الليطاني بعد أن تنسحب إسرائيل ويدخل الجيش وقوات «اليونيفيل»، وأبلغ الحريري الرئيس بري أنه تحدث مع الرئيس الفرنسي جاك شيراك الذي نقل إليه ما يشبه حديث الرئيس السنيورة لجهة استمرار الحرب والتدمير إذا لم يسلم الحزب سلاحه وأن شيراك طلب منه أن يبلغ الرئيس بري شخصياً بهذا الأمر.

 

كان رد الرئيس بري: لقد تحملنا الكثير ولم يعد يهمنا التهديد، والمطلوب أن نصبر ونصمد في موقفنا الداخلي الموحد ولن يستطيع أحد أن يحقق ما لم تستطع إسرائيل أن تحققه خلال كل الحرب.

شاهد أيضاً

17

صفحات مجهولة من حرب تموز 17

شطح: لماذا لا تسلمون سلاحكم ومواقعكم وصواريخكم للجيش اللبناني… وترتاحوا؟ الخليلان يردان: هل تريد تقديم …