صفحات مجهولة من حرب تموز 20

هو يوم الرحيل إلى القرى، اشتاقت وجوه العائدين إلى مرايا الماء.. وأعلن القمح صعود الخبز. نذكر حينها أن الشمس انتظرت ذوبان قرص القمر لا بل تحرشت به واحتلت ضوءه وكادت تشرق قبل موعدها لتعلن للناس مسيرة الرجوع.

تواطؤ بين خيوط الليل والرئيس نبيه بري ضبطته آخر ساعات الثالث عشر من آب، عندما حرّض الرئيس النازحين على الهجرة المعاكسة وحثّهم على التسرب من مدارس الصيف وأماكن الحاضنين وسلوك خط العودة ولو على أنقاض المنازل.

الثامنة صباحاً موعد سريان وقف النار لكن إسرائيل استنفدت كل نارها وسابقت الزمن لقطف آخر الحقد الذي توزع بقاعاً وعمق جبل.

تحركوا كالريح.. وبهم شوق إلى مصطبات البيوت وأكواز الرمان المنسية والزيتون الحامل إرث جبل عامل، تدافعوا جنوباً جنوباً لتفقد ورق التبغ وقد غدرهم موسم «شك الدخان»، أما «الضاحيون»، فساروا إلى منازل ما عادت معالمها واضحة، لكنهم افترشوا دمارها والتحفوا العراء واعدين موعودين بيوم شموس يخلق من الضاحية أربعين.

كملح الأرض كانوا في مسيرة عودة لم تنتظر الضمانات وكان ممكنا لعودتهم أن تتحول إلى مأساة، غير أنهم تجاوزوا التردد وحقول الألغام ووثقوا برئيس لن يغامر بهم بل أرادهم أول من يتسلم الأمانة متشبثين به، لأن أجمل ما في الأرض.. أن يكونوا عليها.

من ذاك المشهد، استنبط الرئيس بري معادلته الذائعة الصيت: الجيش والشعب والمقاومة والتي دخلت لاحقاً كتب البيانات الوزارية ووقفت كحبة دستور بين المواثيق والأعراف المحلية.

كان الرابع عشر من آب 2006، يوماً انتقالياً تبدلت فيه مسيرة أيام مرت تحت ضغط العدوان والتفاوض، وبدأت اتصالات من نوع آخر سيطول الحديث عنها في أيام لاحقة.. وكتابتها ستأتي في سياق آخر للشهادة على ما يمكن أن نواجهه من تحديات تركت أثراً على مجمل الوضع السياسي الداخلي في لبنان، وفتحت آفاقاً جديدة رأينا من خلالها كم هو صعب أن تحاول كسر قواعد اللعبة المرسومة وترفض الهزيمة كقدر مكتوب، وأن عليك أن تكيف نفسك مع الوقائع المفروضة لا أن تحاول صناعة المشهد كما يجب أن يكون عليه.

على الرغم من المناخ المرتبك داخلياً حول التعاطي مع المرحلة المقبلة، كنا قد بدأنا نعيش أجواء التحضير لمرحلة وقف إطلاق النار عند الثامنة من صباح الاثنين في الرابع عشر من آب، وهذا بحد ذاته سيفتح الباب أمام خلق وقائع جديدة شعبياً وسياسياً ستبدل في مواقف الكثيرين كما قال الرئيس نبيه بري، مشيراً إلى أهمية الارتكاز على تفاهم نيسان في ما يتعلق بالفترة الفاصلة، وأن هذا يُبقي الحق للمقاومة في الرد على أي عدوان أو استمرار الاحتلال.

كما تابعنا وصول التعميم الصادر عن قيادة حركة «أمل» بتحضير كل الأجواء لأوسع حملة لعودة النازحين إلى مناطق التهجير فور دخول وقف النار حيز التنفيذ، ومن دون إعطاء أي فرصة لأن هذا سيكون أقوى رد على المترددين والمشككين في حقيقة الانتصار.

وقبل أن ينتهي اليوم وبعكس ما أشيع عن رفض الدول المشاركة في قوات الطوارئ الدولية، كان الكثيرون ممن جرى الاتصال بهم قد أكدوا مشاركتهم في عمل هذه القوات من دون شروط مسبقة أو تفسيرات وفق ما يرغب بعض اللبنانيين.

في هذا الوقت، استمرت إسرائيل في الانتقام وشنت غارات استنفدتها حتى اللحظة الأخيرة موقعة المزيد من الشهداء، وكان ختامها قبيل ساعتين من توقف القتال، ارتكاب مجزرتين في بلدتي الجمالية وبريتال البقاعيتين سقط بنتيجتهما 13 شهيدا، وفي الوقت نفسه، بقيت صواريخ المقاومة تسقط على مختلف المناطق الإسرائيلية في رسالة تحد وإثبات وجود وقوة ظهرت بصورة أوضح مع ازدياد عدد الدبابات المدمرة في سهل الخيام لتنضم إلى مثيلات أُحرقت قبلاً وجاءت إسرائيل لسحبها.

صباح الاثنين 14 آب كان يوماً استثنائياً أكد فيه الشعب اللبناني عموما والجنوبي خصوصا قدرته على الحياة والخروج من المحن أقوى وأكثر صلابة وإيماناً، وأنه يعرف قيمة الانتصار ولو كان الثمن غالياً، لهذا كانت مشاهد عودة عشرات الآلاف بعد لحظات من دخول وقف إطلاق النار وسلوكهم كل الطرق باتجاه الجنوب والضاحية ومناطق البقاع التي غادروها باتجاه سوريا.

هذا في مقابل أن إسرائيل لم تفوت لحظة واحدة قبل دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ حيث استمرت في القصف لتصل بصواريخها إلى منطقة كيفون في الجبل قبل دقائق من بلوغنا الساعة الثامنة.

هو يوم يطول الحديث السياسي فيه وعنه لأنه كان فاتحة مرحلة طويلة من اللقاءات والنقاشات الدبلوماسية والسياسية التي طالت قبل أن تنتهي بفك الحصار وعودة الحياة الطبيعية وبداية تشكيل مشهد جديد في الحياة السياسية اللبنانية أصبح فيه الفرز بين القوى أوضح ومعاييره مختلفة عما سبق.

بداية هذا اليوم حملت نداء من الرئيس نبيه بري وجّهه إلى اللبنانيين وفيه شكر لكل الشعب اللبناني على وقوفه في وجه المجازر والأطماع الإسرائيلية منذ وجود الكيان، وعلى احتضانه للأهل الذين تهجروا. وتوجه إلى كل هؤلاء طالباً العودة إلى ديارنا، عزتنا، نبع المقاومة ونهر التصدي، وأن من وجد منزله عاد إليه ومن لم يجده فليتشبث في أرضه بكل الطرق حتى نتمكن من إعادة إعماره.

وأرسى بري مثلثه الذهبي يومها عندما قال إن علينا مؤازرة الجيش و«اليونيفيل» لنقف صفاً واحداً مع المقاومة والشعب، وأصر بري على دعوته تلك على الرغم من أن البعض حاول التحذير من مخاطر العودة السريعة نتيجة وجود ألغام وقذائف لم تنفجر، لكن المسألة كانت تحتاج إلى تضحية حتى لا تجهض لحظة الانتصار من خلال التردد.

في اليوم نفسه أيضاً، توجه سماحة السيد حسن نصر الله برسالته إلى اللبنانيين، وفيها أننا أمام نصر استراتيجي وتاريخي للبنان، كل لبنان، وتوجه بالشكر لهم جميعاً ملتزماً تقديم كل المساعدة للمباشرة سريعاً بالترميم والعودة إلى السكن، وقال إنه لن ينتظر آليات الحكومة المعتمدة عارضاً برنامجا متكاملا في هذا المجال يعالج إيواء العائلات والمباشرة بإعادة البناء.

وتناول السيد نصر الله موضوع سلاح المقاومة، وقال إنه أثناء خوض الحرب كان هناك نقاش حول صورة الوضع في الجنوب وجنوب الليطاني تحديداً وحول دور المقاومة وعلاقتها بالجيش و«اليونيفيل» وموقعها المستقبلي وسلاحها وكيف ستتصرف، وكانت النقاشات جدية وتدار بواسطة أخينا الأكبر الرئيس نبيه بري الذي يشكل ضمانة وطنية كبيرة، وأنا أتمنى على كل الذين فتحوا هذا الملف أن يصغوا إليه ويستمعوا إلى صوته ويقفوا عند كلمته في معالجة هذا الأمر الحساس والخطير والمصيري.

جنبلاط يقترح اجتماعاً رباعياً.. والرئيس بري يرفض

بعد أن تابعنا بالتفصيل بداية وصول الناس إلى القرى والبلدات والمشاهد الإنسانية المميزة التي رافقت ذلك وكانت تسجلها كاميرات التلفزيون مباشرة، عاد الرئيس بري ليطرح السؤال عن المخارج من النقاش الذي فتح في مجلس الوزراء حول انتشار الجيش في الجنوب وما هي علاقة مجلس الوزراء بموضوع السلاح ومستقبله وهو نقطة على جدول أعمال طاولة الحوار، ليعيد تبويب وجهة نظره للتعاطي وفق الآتي:

1ـ سحب الموضوع من مجلس الوزراء.

2ـ انتشار الجيش وقوات الطوارئ ومصادرته للسلاح الظاهر أينما يجده.

3ـ بعد الانسحاب الإسرائيلي الكامل إلى خلف «الخط الأزرق»، يعاد تموضع سلاح المقاومة بما لا يتعارض مع القرار 1701 وفق تفسيرنا مع الرئيس فؤاد السنيورة وضمن تفاهم بين الجيش والمقاومة حتى ولو كان شفهياً.

بعدها استقبل الرئيس بري الوزير غازي العريضي موفداً من الوزير وليد جنبلاط ليقدم شرحاً من وجهة نظره لما حصل في جلسة مجلس الوزراء الأخيرة، ملقياً المسؤولية على الطرفين وعارضاً للتردد الذي كان حاصلاً تجاه ما يجب فعله بعد صدور القرار من المعنيين مباشرة، لا سيما في وزارة الدفاع.

طرح الرئيس بري فكرته بأن يُسحب النقاش من مجلس الوزراء حول انتشار الجيش وطلب منه أن يطرح الأمر على جنبلاط والسنيورة، على أن يتابع الرئيس بري جهده ليرى ما يمكن أن يحصل في الساعات المقبلة.

التقينا عند الساعة 7:15 الحاج حسين الخليل الذي نقل أن السيد حسن نصر الله مرتاح جداً إلى مشهد اليوم وعودة الناس وكيفية تعاطيهم مع المجاهدين، وقال له إن الجميع سيعودون إليك يا دولة الرئيس ليقبلوا اقتراحك غياب المظاهر المسلحة فقط.

وأخبرنا الحاج حسين أن العقيد وسام الحسن اتصل بالحاج وفيق صفا وأبلغه عن لسان النائب سعد الحريري أن الجو سيئ جداً في الخارج وأنه تحدث مع الرئيس الفرنسي جاك شيراك الذي تفهم خصوصية المرحلة، لا سيما أن الحزب خارج من معركة قوية وبالتالي هناك إمكانية لمعالجة موضوع السلاح، واعداً ببحث هذا الأمر مع الرئيس السنيورة وإقناعه.

رد الرئيس بري أنه إذا كان هذا موقف الحريري فأنا أتحدث مع السنيورة، وكنت قد أبلغت العريضي اقتراحي بسحب موضوع السلاح من مجلس الوزراء وتكليف الجيش اللبناني معالجة الأمر وترك المسألة له وأن العريضي طرح اجتماعاً مشتركاً بين السيد حسن نصر الله وسعد الحريري ووليد جنبلاط وبيني ولكني رفضت الأمر بسبب وضع السيد حسن الذي إذا قبل الآن فأنا لا أقبل به.

عاد الحاج حسين واتصل بالحاج وفيق صفا ليلخص ما توصل إليه مع وسام الحسن، وأن السيد نصر الله طلب إبلاغه أن الجواب عند الرئيس بري حول صيغة الحل.

السنيورة مجددا يسأل: ماذا عن السلاح؟

طلب الرئيس بري مني أن أذهب لألتقي النائب الحريري الذي تحدث معي إيجابيا عن أن الجو الدولي أصبح أفضل وأنه مستعد للسير بصيغة لا مظاهر عسكرية ولا مداهمات، على أن يصدر مجلس الوزراء قراراً عاماً بتكليف الجيش المهام في المنطقة، ولكن هذه الأمور تحتاج إلى نقاش مع السنيورة واني أمشي في أي صيغة يتفاهم فيها مع «حزب الله».

عدت من قريطم، إلى عين التينة حيث كان الرئيس بري مجتمعاً مع الرئيس السنيورة ود. محمد شطح ويعرض له ما نُقل عن لسان النائب الحريري، وسألني الرئيس بري عما حصل فشرحت له، وأضاف الرئيس بري أن معلوماته أن الإسرائيليين سينسحبون بالكامل يوم الأربعاء (16 آب) وأنه يمكن أن تنتشر قوات الطوارئ الموجودة على «الخط الأزرق» والجيش ينتشر يوم الخميس (17 آب).

بادر السنيورة منفعلاً: أنا لا علم لي بكل هذا الكلام، والسؤال هو هل سيبقى هناك سلاح في المنطقة؟

بري: ببساطة إذا مر أحدهم اليوم في بيروت ومعه سلاح وأوقفه الجيش يحال إلى المحكمة العسكرية وكذلك إذا حصل مشكل وإطلاق نار، وهذا الأمر تماماً يطبق في الجنوب، وأنا لا أرى ضرورة أن يناقش هذا الأمر في مجلس الوزراء، يناقشه الجيش مع المقاومة، وأيضاً لا مصلحة في تأجيل الجلسة ويمكن أن نقول إنه طرأت علينا مسألة تسهيل عودة النازحين وتأمين خدماتهم وعملنا عليها.

السنيورة: هذا ليس كافياً، اليوم استدعيت سفراء الدول الخمس الأعضاء في مجلس الأمن الدولي من أجل الحصار والمرافئ وكنت قد تحدثت مع الرئيس الأميركي جورج بوش ووزيرة الخارجية كوندليسا رايس بهذا الخصوص، اليوم السفراء قالوا نعم، لكن عليكم واجبات ضبط الحدود وهذا التزام يجب أن يكون واضحاً لكم، ولهذا أنا أحضرت وزراء الدفاع والداخلية والأجهزة لمناقشة الأمر.

بري: لنعد إلى موضوعنا، ما هي مشكلة التفاهم التي طُرحت حول السلاح؟

السنيورة: 1ـ لا يمكن أن يكون هناك أي مكان محظور على دخول الجيش اللبناني، لو كان بيتي هناك يمكن أن يفتشه. وأقبل.

2 ـ لا وجود للقواعد، لا مظاهر مسلحة.

3 ـ اذا أتت وشاية بوجود أسلحة يحق للجيش أن يداهم.

4ـ وجود أي سلاح هو غير شرعي ويجب مصادرته.

تدخّل شطح ليقول: علينا أن نعرف أن هناك مراقبة من الجو من أجل معرفة ماذا يحصل بالصواريخ، والأهم أنه إذا وصلنا إلى انتشار للجيش والطوارئ وما زلنا في حالة عداء والسلاح موجود وهو غير معترف به فإذا حصل أي مشكل فسنصبح نحن مسؤولين عنه.

بري: إذا حصلت مشكلة واعتدى الإسرائيلي، فكلنا معنيون بالمواجهة، لن أستحي بالسلاح، لكن أنا أعرف أنه نحن لن نخرق إلا إذا اعتدى الإسرائيلي.

شطح: ومن يضمن أنه لا عمليات على الحدود أو «الخط الأزرق».

بري: أساساً ما كان مطروحاً هو من أجل الأسرى، أنا أقول إن مسؤولية «الخط الأزرق» هي في عهدة الجيش اللبناني بالكامل.

وبعدما حاول شطح النقاش في التفاصيل حول هذه المسألة، قال الرئيس السنيورة: يمكن أن نعد ورقة ونرسلها إليك لاحقاً حول رأينا بهذا الخصوص.

الجيش اللبناني للمرة الأولى الى «الخط الأزرق»

في الأيام اللاحقة، كانت لقاءات للرئيس بري مع وزراء خارجية وسفراء ورؤساء حكومات وشخصيات عربية ودولية، بدأت مع وزير خارجية إيطاليا ماسيمو داليما الذي وصل مباشرة إلى الضاحية الجنوبية في زيارة لها دلالات كبيرة كون بلاده ستشارك في أكبر عدد ضمن قوات الطوارئ الدولية، إلى عبد الله غول وزير الخارجية التركي يومها الذي استفسر عن أي تحفظ على مشاركة بلاده، فمازحه الرئيس نبيه بري ان «كل اللبنانيين عليّ وبيبقى عليك الأرمن»، إلى وزير خارجية فرنسا دوست بلازي الذي كان يدقق في خطاب الرئيس بشار الأسد حول لبنان وانعكاسه على الوضع متطرقاً إلى دور إيران إذا ازداد الضغط عليها في العقوبات، ورد الرئيس بري أن لإيران أذرعاً كثيرة ولا تحتاج إلى ذراع لبنان لتضغط سياسياً.

هي أيام شهدت التخبط الإسرائيلي بعد مظاهر الخيبة التي سادت على المستويات السياسية والعسكرية بعد نتائج الحرب وعدم تحقيق أي من أهدافها وبقاء المراهنة على بعض تفاصيل في القرار 1701 للتعويض مقابل تصاعد المطالبة الاسرائيلية الداخلية بلجان تحقيق مع القيادات المختلفة، في وقت بدأت عمليات الانسحاب المفروضة بحكم وقائع الميدان تتسارع مقابل تحضيرات الجيش اللبناني للانتشار في المنطقة (جنوب الليطاني).

عقد مجلس الوزراء جلسته التي تأجلت يوم الأربعاء عند الساعة الخامسة والنصف وحضرها قائد الجيش العماد ميشال سليمان ومدير الاستخبارات العميد جورج خوري الذي التقى قبلها الرئيس بري، واتفقنا معه على اللمسات الأخيرة لقرار الانتشار والاستناد إلى قانون الدفاع في توصيف طبيعة المنطقة.

وصدر عن مجلس الوزراء قرار قضى بانتشار الجيش للمرة الأولى منذ عقود طويلة في كامل المنطقة حتى «الخط الأزرق» في ظل إجماع وطني وتأكيد على تسهيل مهمته ودوره بعد أن سُحب النقاش السياسي من المجلس حول مستقبل سلاح المقاومة، وبقي الأمر من خلال التنسيق مع الجيش وفي إطار القوانين المعمول بها في باقي المناطق اللبنانية.

فيلتمان يلوح بحصار بحري وجوي

في صبيحة اليوم التالي كان كل الجنوب في عرس يستقبل جيشه بالاحتفالات التي امتدت من صيدا حتى كل المناطق على الشريط الحدودي مترافقة مع التحضيرات الدولية لتشكيل القوة الإضافية المشاركة في «اليونيفيل»، وكان هذا يحصل مع اتضاح صورة البطولات التي قام بها المقاومون في مختلف مناطق المواجهة والروايات العديدة التي تصلح لتكون دروساً في حروب المقاومة من جهة وفي تجارب الصمود لشعب استثنائي من جهة أخرى.

في المقابل، بدأت تظهر صورة مختلفة في المشهد السياسي اللبناني مع تصاعد الخطابات التي طرحت قضايا خلافية وبدت كأنها عملية تصفية حسابات ترتبط بتموضع وموقع كل طرف في المعادلة الداخلية والإقليمية، لا سيما بعدما ظهرت للجميع أهمية الانتصار الذي تحقق وأثره على المستوى العربي والدولي والارتدادات التي تركها على الواقع الوجودي لإسرائيل.

تسارعت الأحداث في الأيام اللاحقة، كانت إسرائيل تسرّع انسحابها، وقوافل الشهداء إلى مثواها الأخير في مسيرات تشييع بعشرات الآلاف تؤكد على الصمود والوفاء للشهداء، والجيش يصل للمرة الأولى إلى شبعا وكفرشوبا ومناطق العرقوب.

يدخل السفير الأميركي في بيروت جيفري فيلتمان مجدداً على الخط لينقل إلى الرئيس بري يوم الجمعة في 18/8 أن هناك تهريباً للأسلحة من سوريا، ما يشكل خرقاً كبيراً للقرار 1701، وأن إسرائيل ترصد هذه العملية وعدم قصفها للقوافل هو بطلب من أميركا، وأبلغنا بوجود إصرار على عدم فتح المطار والمرفأ، وكان هذا إيذاناً بأننا دخلنا فصلاً جديداً لمواجهة من نوع آخر عنوانها العمل من أجل فك الحصار.

شاهد أيضاً

18

صفحات مجهولة من حرب تموز 18

دلّت مواقف الداخل كعناقيد غاضبة متخوفة متوجسةً رؤيانا لما بعد القرار الدولي، وبدأت مرحلة تقليم …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

eighteen − fifteen =